أخر الأخبـــــار

الرواية والرسالة

خيري الذهبي كان التساؤل الذي ألح عليَّ بعد انتهائي من قراءة رواية غالب هلسا (سلطانة) هو: لماذا كان الجزء الأول من الرواية على هذا الجمال،

ففي هذا الجزء استسلم غالب لنزعة الحنين والشوق إلى أيام الطفولة في مدينة معين في الأردن وكان في ذلك الحين في منفاه الأخير في دمشق، بعد نفي طويل في مصر، ثم في العراق، ثم في لبنان، وكان ينتظر بشكل أو بآخر الإذن الحكومي له بالعودة إلى عمان، وكان هذا الإذن يجب أن يصدر، فقد مضى على مغادرة غالب للأردن هارباً من حكم بالسجن لانتمائه الشيوعي أكثر من ثلاثين عاماً، ولكن الإذن تأخر وتأخر، والحنين يزداد ويزداد، وبطريقة ما بدأ كتابة سيرته الطفلية في تلك المدينة ـ القرية الجبلية المطلة على أريحا والقدس عبر وادي نهر الأردن، واستيقظت الذكريات ـ النوستالجيا، أيام المراهقة الأولى، المرأة الأولى الطفلة المشاكسة، والمرأة الأولى نصف المشتهاة ونصف الأم، والخوري المزيج من الأب الروحي، والأب الشهواني والأب الديونيزي والأب الحائم فوق القرية كروح مزيج من ملاك وشيطان.‏‏

كانت الرواية محاولة من غالب للتطهر من الذكريات، ولاستعادة تلك الولدنة البهيجة التي عاشها ككل فتى مقبل على المراهقة، وكانت المرأة المعشوقة، الأم، الوطن، التي غفر لها طرده وإجباره على التنقل بين المنافي. كان يفعل ذلك وفي جزء من لا وعيه ينتظر استجابتها ـ أي الأم لطلبه العودة ومصافحة الوطن ـ الحب الأول، الذكريات الأولى، ولكن الرد تأخر، وهكذا كتب الجزء الثاني من الرواية.‏‏

في الجزء الثاني، والرواية من حيث الشكل نقدياً روايتان وإن وضعتا في دفتي كتاب واحد، في هذا الجزء يبدأ بالعتب، ثم باللوم، ثم بالتقريع، ثم بالشتم، فهذه الأم تتحول إلى عاهرة، فقوادة، فمهربة ماس وحشيش بين الأردن وإسرائيل، وتلك البنت ابنتها تتحول إلى عاهرة، ثم يطفو على سطح الرواية صراعه مع الحزب الشيوعي الأردني قبل هربه من الأردن وبداية المنفى، فيبدأ في شتمهم وفي تصويرهم كاريكاتورياً إلخ.‏‏

ويهبط المستوى الفني للرواية لتصبح واحدة من روايات السجال السياسي مع الحركة السياسية في الأردن في الخمسينات والستينات ومع النظام السياسي، ومع الأم ـ الوطن ـ العاهرة ـ النابذة ـ الكريهة ـ الكارهة إلخ.. لقد تخلت الرواية عن النوستالجيا والاستسلام لجمال الخلق الشعري في الرواية لتنحط إلى الرواية السجالية.‏‏

هذا الحديث كان قد دار بيني وبين الراحل غالب بعد قراءتي للرواية وقد أقر معي على كثير من مقولاتي، ولكن غالب لم يكن بدعاً في هذا، فقبل رواية سلطانة كانت هناك رواية الوباء لهاني الراهب وهي أيضاً روايتان في دفتي كتاب واحد. ففي الجزء الأول الذي صنع فيه ساغا ـ رواية ملحمة أسرة ـ لأسرة من ريف الساحل السوري منذ مقدمها إلى ذلك المنأى في الجبل ومعاناتها وظهور الإقطاعي الأول المبكر، وظهور الشخصيات الجميلة، المرأة الفاتنة العاشقة والتي ستكون نموذجاً لكثير من الشخصيات النسائية في الرواية السورية فيما بعد، والعاشق الفارس متخطي حدود الزواج للوصول إلى المعشوقة وذرية هذا العشق المحاصرون من المجتمع بعد وفاة الأم العاشقة إلى آخر تلك النوستالجيا الرائعة في الرواية.‏‏

في الجزء الثاني يتذكر هاني الراهب أنه أمام مجتمع ليس على ذلك الجمال الذي وصفه في روايته، ويلاحق هاني هذا الخط حتى تتحول الرواية إلى رواية السجال السياسي تماماً كما سيفعل غالب هلسا فيما بعد.‏‏

ولكنهما لم يكونا الأوائل في هذا الانكسار المعماري فقارئ رواية (ثم ينساب الدون في هدوء) للكاتب الروسي شولوخوف سوف يصل إلى النتيجة نفسها فهي في نصفها الأول كانت شيئاً من سحر حين كانت النوستالجيا والكتابة الريفية ـ الرعوية سيدة الرواية، ولكن ما إن تقوم الثورة البلشفية وتبدأ الحرب الأهلية بين البيض الملكيين، والحمر الثوار حتى تتحول الرواية إلى رواية من المرتبة الثانية، أي رواية السجال السياسي.‏‏

والسؤال الذي يلح بعد قراءة هذه الرواية هل كان ضرورياً كتابة الجزء الثاني من الرواية، أم كان الاكتفاء بالجمالي منها كافياً، أم… أنّ شعور الكاتب برساليته، وأن عليه رسالة يجب أن يؤديها هو ما جعله يضحي بالجمالي في سبيل تقديم الرسالي؟‏‏

 

التعليقات
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock