أخر الأخبـــــار

قصة قصيرة – حمار على الهامش

– هل ترغب “بلفة مشكل”؟
– لا …. لا اريد و كنت انظر الى هيفاء تتغنج بمشيتها و نحن في شارع الصناعة المفعم بالحياة الافتراضية فكنا نبحث انا و صديقي عن احدث الحواسيب المحمولة، و لم انتبه لشيء سوى انهماكي بالنظر الى تلك الفتاة المحجبة التي اظهرت الكثير من الفواكه التي يرغب بها أي جائع، ضمآن مثلي و تذكرت أني صائم بعدما اشبعت نظري من مرة واحدة! لذلك رفضت دعوة صديقي لاني لم أشئ أن أكون مرائي و لو دعتني لسلة الفاكهة التي كانت تحملها لاجبتها و لضربت بديني عرض الحائط! لطالما احببت الخوخ الذي اسال لعابي من إمراة محجبة وعجزت عنه آخرى بالجانب الاخر من الشارع التي لم تظهر سوى خبز ابيض يزهد فيه مثلي و أن كانت بدون حجاب!. و أنا أتأمل أكوام النفايات قبالة محل المأكولات السريعة بإنتظار صديقي ليكمل (اللفة التأريخية) كانت قوات رائحة الفلافل قد تمكنت من السيطرة على كامل تجويفي الانفي و كادت تصرع ضحية أخرى من ضحاياها فكنت قاب ادنى من قوس حتى أطلب تلك اللفة العجيبة التي الفتها معدتي طيلة سنوات الغربة في بلدي و اعتاد الناس على صوت الانفجارات المصاحبة لتلك اللفات، حتى لو أصدرت صوتا يقرع اسماع المارة في كراج باب المعظم و انا في شارع الصناعة و لكن لم ارد أن أفزع من كان في باب المعظم و لا التي الفتاة في شارع الصناعة خوفا من سقوط ما تبقى من اوراق التوت التي سترت بها الخوخ! و تمسكت بصيامي و زهدت عن اللفة العجيبة، و فجأة تسللت عربة يجرها حمار بحبال من الم يقودها طفل لم يبلغ العاشرة و لكنه بلغ قرونا بثقته بنفسه، طفل بحذاء بلاستك ابيض قد مال الى السواد قد خُيط من كل جانب و سروال فضفاض و قميص رياضي، ترجل من العربة ليجمع قناني المشروبات المعدنية لكثرتها امام ذلك المحل في صباح جميل و كأن شمسه خجلة بعض الشيء، فلم تأت بكل ما عرفناه عنها من حرارة، بدء بجمع القناني و وضعها في العربة و بدت هناك طبقة سوداء عجيبة كطبقة معدنية على يد الطفل لا تشبه الطبقة المعروفة (بالبشرة) عند بقية البشر و هو يمشي بكل كبريائه فلا يختلف عمن ترجل من سيارة توياتا ذات الدفع الرباعي ثم دلف ليشتري اللفة العجيبة و بدون أن يغسل يداه و قد تنبأت أن طقوس

الاكل قد لا تختلف من بلد الى آخر فحسب و لكن حتى من عائلة الى أخرى في نفس البلد فبدأ بالقضم، و انا اتأمل اكوام الزبالة و كأنها فن جديد يحاول أن يفرض نفسه في احد اكبر شوارع العاصمة و اشهرها مثل الرسم و النحت و بقية الفنون.. أخذني شيء من ذلك المسرح الذي كنت واقفا فيه، أكتض الناس على صاحب المحل و طلب صديقي لفة أخرى مما اعطاني فرصة تأمل أكبر و لكن هذه المرة كان الشئ حمار قد بدت الجراح والكدمات والتعب واضحة على جسده وأن كانت الحناء تغطي اسفل ارجله حفظا له من الحسد!.. فاجأني الحمار ” لا تحزن إن الله معنا” استغربت كثيرا …
– ماذا؟
– لا تحزن و لا تستغرب فلتكن جراحي ظاهرة و ستلتئم يوما ما أفضل من أن تكون في قلبي فالقلب فيه من اريده ان يكون وحيدا فيه. عليك ان تظهر كما انت و لا داعي لاخفاء جراحك.. جراحك انت! فالجراح مثل الثياب فلا تسطيع أن تظهر بثياب غيرك لانها لا تلائم مقاسك و ان حدث فسيأتي اليوم الذي يعرف فيه الناس انها ليست لك و تكون بنظرهم سارق للفرح لا اكثر… لا اعلم كيف علم الحمار ما كنت افكر به؟
قلت:
– و عجبا أراك صابر لهذه الدرجة؟
– حسنا إن لم اصبر و انا على علم كيف سيصبر ذلك الطفل الذي لا علم له و كيف يمكنه أن يأتي بلقمة العيش لاخواته اللاتي بإنظاره؟ أكمل الحمار انتم معشر البشر قد تسببتم بظلم كبير لنا و لانفسكم و الذي تراه ليس الا نتيجة لذلك الظلم. حتى في حديقة الحيوان لا يوجد هناك مكان لحمار واحد.. و لا اعلم لماذا و ما هو فضل الحيوانات الاخرى علينا؟ حتى ابن عمنا الحمار الوحشي سجن وحده بعد ان ماتت زوجته وأنتم بذلك تزيدوه اسى و هو على وشك الموت من الوحدة التي يعيشها… نحن من ضحى و عمل و ساعدكم في كل شيء في حربكم و سلمكم .. و يالتعاستكم حتى حزب الحمير في الشمال قد أنتقلت اليه العدوى؟
– اي عدوى؟
– عدوى الوساطات و العنصرية و الطائفية و كل ذلك! فأنا من حمير الوسط و لايحق لي اللجوء الى الاقليم الذي انعم الله عليهم بحزب يطالب بحقوقهم و هم قد وضعوا نصبا له وسط السليمانية ببذله جميلة و قد وضعوا الاخر بيشماغ بعدما تحطم التمثال الاول… و لكني سعيد على اي حال فأنا مصدر رزق لبعض الايتام و لم يتفضل علي احد بشيء و الحمد لله ما زلت بصحة جيدة برغم الجراح الظاهرة على جسدي…
– نعم ملعوماتك صحيحة … ولكن…
– و هل تراني كاذب يا بني نحن لا نعرف الكذب في عالمنا يا بني … أسف قلت يا بني .. لئلا تزعجك هذه الكلمة فقد أعتدت عليها.. فقد تكون من الذين ينظرون الينا بدونية….؟
– لا يا حمار… عفوا يا استاذ!
– لا بل انا حمار و لست بإستاذ أعلم أنكم اذ تعتبرونها شتيمة على اي حال اكمل ما كنت تقوله…؟
– نعم يا حمار … و
و قاطعني صديقي: ها انا قد اكملت اللفة ” فاتتك” ما الذي اعجبك بذلك الحمار و اشعر انه يود القول اني غريب الاطوار و ابدو كالحمار و لكنه لم يجر على ذلك!
– بل فاتك و فاتني الكثير الامر اكبر من حمار و من لفة … نظرت.. فكرت.. تأملت .. ليت الحمار الحكيم كان رئيسا للبلاد!
محمد شلال طلب – بغداد

التعليقات
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock