أخر الأخبـــــار

قصة قصيرة – محمد درويش عواد

على قيد الفرح
على جسد الحياة أطفأ أبو خالد سيجارته الأخيرة، ثمّ عندما لم يبق في جعبته شيئ دخّن كلّ أعقاب الأحلام ومات. مثل غيمة كان ينتقل أبو خالد في باص الروضة في سماء المخيّم، يجمع براعماً ما زالت تنمو في أرض تتفتّح تحت لمسات الفجر، يتناثرون حوله فرحين كالفراش، يتحلّقون حوله كأسراب النحل التي تتحلق زهرة اللوتس البيضاء، يرقص قلبه في خفّة الطائر عندما يراهم، فيستقبلهم بقلبه النابض بالفرح، يملؤهم بفوحان الحياة، باعثاّ في أعماقهم نشوة طازجة، فيحسّون معه برغبة طاغية في معانقة الحياة.
-( صباح الخير عمو أبو خالد)
-( صباح الخيرات، أهلا بالحلوين)
ينشد الأطفال أغنية منعشة كعنقود من العنب وهم يتوجهون نحو روضتهم الحبيبة، ينشد أبو خالد معهم، يطلّ معهم على نوافذ البهجة، فتزغرد قلوبهم فرحاً وهم يتنفّسون معه الصباح البكر المعافى، تغرّد عصافير أرواحهم بهجة وقد أشاع في قلوبهم بشاشة الفجر السعيد.
-حضرة المديرة، لقد أنهيت جولتي الأخيرة، هل تحتاجين لشيء؟
-لا، شكراً.
-سأصلي الضحى ثمّ سأعتني بالحديقة.

أبو سمرة، هكذا عرفه أهل الحيّ ببشرته السمراء وبهجة قلبه البيضاء، يأنس الجميع بحضوره بينهم، رجل كأنه وطن، يعيش في حضرة النشوة، يعشق الفرح فيطرّزه على شفاه كلماته التي أحبّها الجميع.
-الحديقة تحتاج إلى عناية.
-افعل ما يحلو لك، إنها مشتاقة لأناملك دائماً.
كان أبو خالد يشرب في حديقة الروضة مشهد الطبيعة بمسامّ جسمه، فتمتلئ رئتاه بالفرح، ويتّسع صدره وينتشي بالعطر، يطوي تعبه بعد جولاته الصباحية ويحوّله إلى أريكة للطمأنينة، يطوف على أحواض الحبق والورد الجوريّ، يلقي عليها تحيّة الصباح، ويداعبها بأنامله كما تداعب الأم ولدها الرضيع، يشتمّ رائحتها العطرة فيحسّ أن روحه عانقت الفضاء مثل طائرة ورقيّة ملوّنة، يرويها من عرقه فتزداد نضارة وحيويّة.
-أين القهوة يا أم ينال؟
-على النار.
يزغرد قلب أبي خالد عندما يسمع أطفال الروضة وهم يردّدون أذكار الصباح مع معلماتهم، يتمتم معهم ويبتسم كأنه لحن السكينة يردّده النسيم على شفاه الأطفال، يتابع عمله في الحديقة بنشاط نملة لا تعرف الكلل أو الملل، يتفقّد الأشجار ويقلّم أغصانها بسكينة وهدوء، يشرب قهوته المعتادة، ويتفقّد الروضة بنظرة حادّة كالنورس.
-جهّز نفسك يا أبا خالد، سنذهب إلى التربية لمتابعة بعض شؤون الروضة، تقول مديرة الروضة.
-حاضر يا أمّ مجد أنا في انتظاركِ.
كان أبو سمرة يعشق الروضة وأطفالها عشقاً غريباً، يعلّمهم كيف يربّون الأمل في نفوسهم، ويتعلّم منهم كيف يبقى صغيراً بحجم وردة نديّة، يعطّر شذاها كلّ من يقترب منها.
-أم مجد، لم يحضر الباص إلينا، أنا وابني ننتظره في الشارع منذ نصف ساعة.
-أم مجد، لقد تأخّر الباص علينا.
-سائق الباص مات.
-ماذا تقولين يا أمّ مجد؟ أبو خالد مات!
-نعم مات.
-إنّا لله وإنا إليه راجعون.
-متى حصل ذلك؟
منذ غبش الفجر، صلّى أبو خالد صلاة الصبح في المسجد، ثمّ ذهب كعادته إلى الباص، شعر بتعب مفاجئ وهويمسك المفاتيح بقوّة، نظر إلى الباص نظرته الأخيرة ومات. اعتقلت الكلمات من لسان كلّ من أحبّه عند سماعهم الخبر، شعروا أنّ دموعهم كانت مؤجّلة تجمّعت في داخلهم كغيمة مثقلة تبحث عن جوّ مناسب لتهطل، فهطلت بغزارة.
كنت تائهاً في مهبّ الأسئلة عندما سمعت الخبر، شعرتُ بحزن من أساء إلى الفراشات، هجم الدمع على عينيّ بغزارة، بكيت في خشوع وقلت في نفسي:
-رحمكَ الله يا أبا خالد وأسكنك فسيح جنّاته، ستبقى خالداًً فينا، وسنبقى نتذكّرك دائماَ حتى نبقى على قيد الفرح.

التعليقات
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock