أخر الأخبـــــار

كتاب عرب في ألمانيا

هجرة الأدمغة العربية إلى خارج أوطانها، إلى الغرب، أمريكا وأوروبا الغربية، ظاهرة معروفة للجميع منذ عقود كثيرة.
غياب الديموقراطية والأوضاع العلمية الجامعية البعيدة عن الحرية الحقة وغياب العدالة الاجتماعية وسيادة القانون وانحسار آفاق التقدم والإبداع كانت من وراء تلك الهجرة. يعود قدوم العرب إلى ألمانيا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية طلبا للعيش والتحصيل الجامعي. انذاك كانت هناك ألمانيتان، غربية رأسمالية وشرقية شيوعية، وقسم لا يستهان به من الطلاب العرب كالسوريين والعراقيين والمصريين واللبنانيين والفلسطينيين قد توجهوا لجمهورية ألمانيا الديموقراطية للالتحاق بجامعاتها. ظاهرة شبيهة بذلك، أي اختيار اللغة الألمانية في الكتابة الأدبية، وجدت لدى مثقفين كثيرين من أوروبا الشرقية، أمثال يان كورنيليوس الروماني والتشيكي فرانتس كافكا والبلغاري إيليا ترويانوف.
يبدو أن البروفيسور فؤاد رفقة (1930ـ2011) الشاعر والمترجم السوري ـ اللبناني كان من طلائع مترجمي الشعر الألماني الكلاسيكي إلى العربية في ستينيات القرن العشرين وكانت أطروحته للدكتوراه عام 1965 حول ‘نظرية مارتن هايدغر في الشعر والفن’ في جامعة توبن’ن. ترجماته شملت نماذج شعرية لغوته وريلكه وتراك وبريشت ونوفاليس وهيلدرلين وهيسه، وفي تلك الفترة أسّس رفقة مع أدونيس ويوسف الخال مجلة ‘شعر’ الشهيرة. يُطلق على المرحوم رفقة النعتان ‘سفير الثقافتين الألمانية والعربية’ و’المتصوف المسيحي’ وهو حائز على ميدالية غوته. من مؤلفاته الشعرية: مرساة على الخليج؛ العشب الذي يموت؛ حنين العتبة؛ قصائد هندي أحمر؛ جرّة السامري؛ سلة الشيخ درويش؛ عودة المراكب؛ خربة الصوفي؛ كاهن الوقت؛ أمطار قديمة؛ بيدر؛ مرثية طائر القطا؛ تمارين على الهايكو؛ أنهار برية؛ خربشات في جسد الوقت.

بعد ذلك صدرت المجموعة القصصية ‘القرد الذي يبحث عن تأشيرة’ للكاتب المغربي مصطفى الحجاج عام 1969 وهي أول عمل أدبي نثري بالألمانية لكاتب عربي. يحكي المؤلف في هذه القصص ما قاسى قبل هجرته إلى ألمانيا من متاعب وحيثيات حصوله على تأشيرة سفر. هنالك من المغرب أيضا الشاعرة فوزية طيبي المقيمة في فرانكفورت والمترأسة لجمعية كتّاب من عدة جنسيات وهي ترى في الألمانية لغة أما إضافة إلى الأمازيغية والعربية، ومع هذا فهي تفضّل الكتابة بالألمانية فعليها نمت وترعرعت. قبل ذلك كل ما كان يعلمه القارىء الألماني العادي عن الأدباء العرب اقتصر على الذين ألّفوا بالفرنسية أمثال آسيا جبار وطاهر بن جلون.
يجدر هنا ذكر اسم الشاعر السوري، عادل قره غولي (قرشولي) (1936ـ ) الذي توجه إلى ألمانيا الشرقية عام 1961 للدراسة في جامعة مدينة لايبز’ المعروفة ونال شهادة الدكتوراه في الأدب الألماني حول مسرح برتولد بريشت عام 1970 ولا يزال يعيش هناك ويتعاون مع زوجته ريجينا في الترجمة. قرشولي ينظم الشعر بكلتا اللغتين العربية والألمانية وترجماته لأشعار مختارة لأدونيس ومحمود درويش للألمانية معروفة جيدا للمثقف الألماني.
حصل على جائزة مدينة لايبز’ للأدب عام 1985! وجائزة الأكاديمية البافارية للآداب سنة 1992 وشغل منصب رئيس فرع اتحاد الكتاب الألمان في مقاطعة لايبز’ مدة خمس سنين. كما التحق الكاتب والشاعر والروائي والمترجم العراقي فاضل العزاوي (1940-) بالجامعة ذاتها وحصل على الدكتوراه على بحثه حول المشاكل الرئيسية لتطور الثقافة العربية عام 1983 ويقيم حاليا في برلين وكان قد ترجم مع زوجته، سالمة صالح، بعض المؤلفات الألمانية إلى العربية مثل رواية روبرت موزيل ‘الرجل الذي لا خصال له’. من مصر يمكن ذكر الأديب ناجي نجيب (1931-1987) الذي كان من أوائل مترجمي مقتطفات من الأدب العربي للغة الألمانية وأسّس دار أورينت للنشر في برلين (Edition Orient) لنشر ترجماته.
عاد رفقة فيما بعد إلى لبنان كما فعل الكثيرون في تلك الحقبة الزمنية أمثال المترجم نبيل حفار (1945-) حاملا درجة الدكتوراه في الأدب الألماني من جامعة برلين عام 1988 وكانت أطروحته حول ‘الاستقبال العربي لبرتولد بريشت’، والفيلسوف السوري محمد الطيب تيزيني (1934- راجع موقعه على الشبكة http://www.tizini.com) اللذين رجعا إلى وطنهما سورية إثر الانتهاء من الدراسة الجامعية في ألمانيا الشرقية. وتيزيني حاصل على شهادتي دكتوراة في الفلسفة عام 1967 وفي العلوم الفلسفية عام 1973 ،وقد اختير عام 1998 واحدا من مائة فيلسوف في العالم للقرن العشرين. الأمر ذاته ينسحب على الأديب وأستاذ الفلسفة والمترجم عبد الغفار المكاوي (1930-) الذي رجع إلى أرض الكنانة ورضوان السيد (1949-) الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عام 1977 وعودته إلى لبنان.
يخلص المتتبع لحيثيات هذا الجيل العربي الذي قدم إلى ألمانيا في فترة مبكرة نسبيا إلى مثل هذه الخصائص. هنالك الذين مكثوا ردحا من الزمن في الدراسة الجامعية ثم قفلوا عائدين إلى أوطانهم وعملوا على نقل الثقافة الألمانية إلى قرائهم كما وكتبوا متأثرين بما درسوا. من ناحية أخرى يرى المرء عربا فضلوا العيش الدائم في ألمانيا وألفوا بالألمانية كما ونقلوا إليها بعض الأعمال الأدبية العربية، وهناك من ألف بلغة أمه وترجم من الألمانية للعربية. غني عن التوضيح أن ذلك الجيل، مواليد الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، قد عانى من الأوضاع السياسية الصعبة في الشرق العربي التي نجمت في أعقاب الحرب الأهلية في لبنان والحرب العراقية الإيرانية. مثال على ذلك الروائي الشهير رفيق شامي (سهيل فضل، الاسم الأصلي، لغته الأولى الآرامية، بلدة معلولا الواقعة على بعد 50كم إلى الشمال الغربي من دمشق) وسليمان توفيق، ولد الأول عام 1946 ووصل ألمانيا عام 1971 لدراسة الكيمياء في جامعة هايدلبرغ وحصل على الدكتوراه عام 1979. لا تضاف أي معلومة جديدة عند القول بأن الأديب رفيق شامي الذي تفرغ للكتابة الأدبية منذ ثلاثة عقود هو من أشهر المؤلفين بالألمانية حاليا، إذ أن عدد نسخ مؤلفاته المبيعة تفوق معظم ما يباع من أعمال الكتاب الألمان. نقلت كتابات شامي التي تربو على الخمسة والعشرين إلى عشرين لغة. ومما يجدر ذكره أن الشامي كان قد صرّح في إحدى المقابلات التي أجريت معه قبل سنتين: ‘فنجان قهوة في دمشق وأغنية لفيروز ô يعادل كل ثروة المهجر’.
يعزى أحد أسباب شغف القارىء الألماني بقراءة شامي إلى أسلوبه السردي الشفوي وكأنه فنان مسرحي. جاء سليمان توفيق (1952-) إلى ألمانيا عام 1970 وهو شاعر وصحافي يُعنى بالموسيقى العربية ويزاول مهنة أو قل فن الترجمة من العربية إلى الألمانية، له عدة دواوين شعرية بالألمانية.
من الأدباء العراقيين الذين تركوا وطنهم في سبعينيات القرن العشرين وتوطنوا في ألمانيا يمكن الإشارة إلى حسين الموزاني (1954-) الذي ينشر مؤلفاته بالعربية والألمانية ويترجم من الألمانية للعربية مثل رواية ‘الطبل الصفيح’ لغونتر غراس الذي نال جائزة نوبل للأدب سنة 1999. وهناك أيضا الشاعر والناشر خالد جابر المعالي (1956-) اللاجىء السياسي الذي أسس دار نشر معروفة، ‘منشورات الجمل’، وقرض الشعر بالعربية وشارك مع ألمان في نقل عينات شعرية عربية إلى الألمانية من شعر محمود درويش مثل ‘ورد أقل’ عام 1996 وسركون بولص وبدر شاكر السياب. غادر المعالي ألمانيا قبل بضع سنوات ويعيش اليوم في بيروت وتركز دار نشره على نقل الأدب الألماني إلى العربية. ونجم والي (1956-) الروائي هرب عام 1980 من العراق وأكمل دراسته الجامعية للأدب الألماني في هامبورغ ويسكن اليوم في برلين ويكتب
الروايات بالعربية وتترجم إلى الألمانية وتلقى نقدا إيجابيا ورواجا ملحوظا لدى القارىء الألماني. قد يتذكره الكثيرون من القراء بسبب كتابه ‘رحلة إلى قلب العدو’ أي عن زيارته لإسرائيل قبل بضعة أعوام.
هناك جيل الشباب مثل الأكاديمي والروائي حامد عبد الصمد (1972-) المصري الذي وصل ألمانيا عام 1995 واشتهر بعد كتابته لسيرته الذاتية وفبها نقد ذاتي
يتطرق فيها لنقد الإسلام. كان ذلك في رواية حملت عنوان Abschied vom Himmel ‘ وداعا أيتها السماء’ نشر بالعربية والألمانية. وله كذلك كتاب Der Untergang der islamischen Welt أي ‘سقوط العالم الإسلامي، نظرة في أمّة تحتضر’ الصادر قبل حدوث ما أطلق عليه اسم ‘الربيع العربي’ بعام ولديه نشاط بارز في الإعلام الألماني. ومن بلاد الرافدين يمكن أن نشير إلى اللاجىء السياسي الشاعر والروائي والناقد عباس خِضِر الساعدي (1973-) الذي أتى إلى ألمانيا عام 2000 ودرس الأدب والفلسفة وبدأ قبل عدة سنوات بتأليف رواياته بالألمانية، ‘الهندي المزيف، هامبورغ، دار ناوتيلوس 2008. هذه الرواية تروي قصة هروب الكاتب من وطنه إلى بلدان كثيرة. تجدر الإشارة في هذا السياق أيضا إلى الكاتب شيركو فتوح المولود في برلين الشرقية سنة 1964 لأب كردي عراقي وأم ألمانية وهو يجيد الألمانية حديثا وكتابة كإجادته لغة أمه الكردية والعربية وتحتل أعماله مركزا مرموقا في النقد الألماني.
من فلسطين يمكن التنويه بالشاعر صالح خليل سروجي النصراوي الذي يجسد التلاقي بين اللغتين الألمانية والعربية كما يتجلى ذلك في ديوان شعره ‘من وراء العربة’ الصادر سنة 2006 وفي ألبوم شعر موسيقي بكلتا اللغتين الصادر عام 2010.
ما يلفت النظر أن أعمال جلّ هؤلاء الأدباء وأمثالهم لا تتطرق في محتوياتها إلى الحياة في ألمانيا بل إلى العالم العربي، أوطانهم الأصلية وما رسب وتخمّر من ذكريات وأحداث في أذهانهم وذاكراتهم. بعبارة قصيرة يجوز لنا القول إن أولائك الأدباء لم يتأقلموا بعد في ألمانيا من حيث المضمون. تقول الأبحاث إن أغلبية الكتاب العرب بالألمانية يتقنون هذه اللغة إلى حد بعيد ولكن ليس تماما. مثل هذه الملاحظة يصادفها بجلاء المدقق اللغوي قبل نشر العمل الأدبي. تأقلم المغترب العربي في المجتمعات الغربية عبارة عن عملية تراكمية طويلة المدى وتتطلب جهدا كبيرا وتصميما حقيقيا. يلاحظ أن التأثير الألماني على الانتاج العربي منصب في المقام الأول على الطابع الفلسفي والسياسي. تأثير الفلسفة التنويرية، كانط وهيغل ونيتشه، والحريات السياسية تتجلى في ما يكتب العرب المقيمون في ألمانيا. أمامنا مثل جيد لتلاقح ثقافي فكري ألماني عربي. تبني كاتب ما لغة أجنبية في كبره للكتابة الأدبية نثرا وخصوصا شعرا ليس بالأمر السهل بالمرة. هناك في العصر الحديث أمثلة لهذه الظاهرة اللافتة للنظر مثل الإنكليزي بيكيت الذي كتب بالفرنسية وشاميسو الفرنسي الذي كتب بالألمانية وجبران خليل جبران العربي الذي كتب بالانكليزية أيضا وكونراد البولندي الذي كتب بالإنكليزية وإدوارد سعيد العربي الذي كتب بالإنكليزية باتقان نادر.
رب قارىء متمعن بما في هذه العجالة من معلومات سيقول: التحرر يفجر الطاقات!

التعليقات
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock