أخر الأخبـــــار

"ثم لم يبق احد" رواية من أروع ما كتبته اغاثا كريستي

“ثم لم يبق احد” رواية من أروع ما كتبته اغاثا كريستي
3503_10151367045154903_1161067268_n
كانت رواية اغاثا كريستي “ثم لم يبق احد” أكثر الكتب مبيعا حين نُشرت عام 1939 وتعتبر اشهر رواية بوليسية كُتبت في حينه.  وستكون الرواية في صدارة البرامج التي اعدتها اذاعة بي بي سي بمناسبة اعياد الميلاد ورأس السنة.  إذ أُعدت الرواية الشهيرة اذاعيا لبثها على ثلاث حلقات ابتداء من 26 كانون الأول/ديسمبر. ويأتي اخراج الرواية اذاعيا بمثابة رد اعتبار نظرا لما لاقته من اهمال في الفترة السابقة حتى ان من المشكوك فيه ان يتذكر احد نسختها السينمائية التي أُنتجت عام 1974 بطولة الممثل الفرنسي شارل ايزنافور بدور “الإله الشاب” انتوني مارستون.
وكان الفيلم الأول الذي يقتبس الرواية أُنتج عام 1945 من اخراج رينيه كلير.  ويرى نقاد انه افضل من الفيلم اللاحق رغم انه لم يكن عملا سينمائيا متميزا بنظر كريستي نفسها.  ولكن فيلم كلير مقترنا بمساهمة كريستي في كتابة السيناريو للسينما هو الذي وجد طريقه الى المسرح في بروداوي.
وكان الانتاج المسرحي للرواية بداية الطريق الى شهرة اغاثا كريستي حتى انها اصبحت ظاهرة عالمية في الخمسينات.  وما زالت رواية “ثم لم يبق احد” تحتفظ بقوة جاذبيتها على غرار صاحبتها.   تدور الرواية حول عشرة اشخاص يُقتلون تباعا بصورة غامضة في جزيرة قبالة الساحل الجنوبي البريطاني.  وتنوه الناقدة لورا تومسون في صحيفة الديلي تلغراف باسلوب اغاثا كريستي المقتصد في مفرداته الى حد التقشف قائلة ان الرواية ليست عملا “أدبيا” كلاسيكيا ولكنها قصة مثلى في جنسها الأدبي. وكان الروائي وكاتب السيناريوهات البريطاني الاميركي ريموند تشاندلر انتقد رواية “ثم لم يبق احد” قائلا انها رواية فاشلة لأن غالبية جرائم القتل التي تُرتكب فيها لا يمكن ان تحدث في الواقع.  وينتمي انتقاده الى المآخذ المعهودة على كريستي بأنها تكتب “معادلات متحركة في الجبر”.  والحق ان الرواية تتسم بصياغاتها الجاهزة وكأنها ماكنة تدور بلا هوادة وصولا الى نهاية اللعبة.  كما انها تختلف عن جميع روايات كريستي الأخرى.  فهي لا تصل في أي عمل آخر الى ما وصلته في هذه الرواية من اعتصار للكلمات عبر جهاز تقطير بطريقة متعمدة يجدها غالبية القراء طريقة مملة تبعث على النعاس.  ولكن في “ثم لم يبق احد” ، كما في أفضل روايات كريستي ، ما هو أكثر من الحبكة.  فهي ايضا وقفة تأمل في الذنب.  وحين اشار تشاندلر الى جرائم القتل الغريبة فاته ان يذكر ان هناك جرائم قتل اخرى الى جانب الجرائم التي تُرتكب في الجزيرة.  فان كلا من الشخصيات العشر ارتكبت جريمة قتل في السابق ، وكلها جرائم من النوع التي يمكن ان يتخيل القارئ حدوثها في الواقع.  واسوأ هذه الجرائم هي تلك التي ارتكبت من اجل الحب.  إذ تنزلق الحقائق خارجة من افكار الشخصيات الداخلية عن طريق نتف من الحوار ، وفي هذه العلاقة السوداء بالماضي الذي لا مفر منه يكمن قلب الرواية النابض.  لم تكن كريستي السعيدة بطبيعتها تخاف من مواجهة الشر الذي كانت تراه في كل مكان:  في وجهاء المجتمع ، في اصحاب المهن (الأطباء خاصة) ، في العائلة وفي الاطفال.  وكانت ترى ان كثيرين مستعدون لارتكاب فظاعات من كل صنف إذا شعروا ان بالامكان ارتكابها دون ان يُكتشف أمرهم.  ورغم ان اعمالها كانت انشاءات فنية فانها كانت تقوم على معرفة واقعية عميقة بالطبيعة البشرية. واكتسبت كريستي هذه المعرفة من خبرة مريرة.  ففي عام 1926 اعلن زوجها الأول انه يحب امرأة اخرى دافعا الى اختفائها الكارثي لمدة 11 يوما. كما كادت كريستي ان تُعتقل بتهمة القتل.  ولعلها تساءلت عما إذا كانت فكرة القتل خطرت ببال زوجها.  كان شعارها ان القتل سهل والمشكلة هي ان القاتل لا يكف عن العودة في ذهنه الى جريمته.  وفي رواية “ثم لم يبق احد” فان رعب الشخصيات الخالص يدفعهم الى مواجهة ذنوبهم.  ومهما كان الكتاب ممتعا فانه مادة قاتمة بامتياز.  ولم يكن هذا المزاج السوداوي منبثقا من حياة كريستي التي عادت الى توازنها في عام 1938 الذي كتبت فيه “ثم لم يبق احد”.  إذ كتبت ان حياتها في الثلاثينات كانت رائقة “بلا ظلال خارجية” ، على حد تعبيرها في سيرة حياتها بقلمها.  ولكنها في قرارة نفسها لم تشف تماما قط من صدمة 1926 حين كشف لها زوجها علاقته بامرأة اخرى. كانت افضل اعمال كريستي دائما تحمل مسحة من عواطفها المتشابكة الى جانب ذكائها الحاد.  وفي الظاهر ليست هناك رواية ابعد عن الشخصنة من رواية “ثم لم يبق احد” ولكنها رواية مدفوعة بذلك الالحاح المرتبط ارتباطا حادا بشخصية من يقتل من اجل الحب حيث تصور كريستي في مشاهد مضغوطة الصراع اليائس بين الجريمة والعقاب.  ولكن هذه القضايا سرعان ما تذهب أبعد من الشخصي المحض.  خلال الحرب التي كانت نذرها تتجمع في ذلك العام قامت مجموعة من أسرى الحرب البريطانيين بتمثيل رواية “ثم لم يبق احد” في معسكر الاعتقال النازي في بوخنفالد.   وكتب قائد المجموعة الى كريستي لاحقا ان الرواية كانت تذكيرا بوجود العدالة مهما كان شكلها عنيفا.

التعليقات
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock